جمال الدين بن نباتة المصري

33

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وإن كان باطلا كنتم أحقّ من كتم وستر . وقد سمعت أسقفّ نجران يذكره ويترجّى أن يكون له ، فسمّى ابنه محمدا ، فكونوا في أمره أوّلا ، ولا تكونوا آخرا ، وأتوه طائعين قبل أن تأتوه كارهين . واللّه إن هذا الذي يدعو إليه لو لم يكن دينا لكان في أخلاق العرب حسنا ؛ فأطيعوا أمرى ، فمن سبق فاز ، ومن تأخّر ندم . فقام مالك بن نويرة ، وقال : لقد خرف شيخكم ، فلا تتعرّضوا للبلاء . فقال أكثم : ويل للشّجىّ من الخلىّ ، لهفى على أمر لم أدركه ولم يسبقني . ثم رحل إلى النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم فمات في الطريق ، وبعث بإسلامه على من أسلم ممّن كان معه « 1 » . وذكر عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنّ هذه الآية ، وهي : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ، « 2 » نزلت في أكثم ومن تبعه من أصحابه . وقال قوم آخرون : خرج مهاجرا ولم يسلم . وكان من أفصح خطباء العرب « 3 » ، وجمع من كلامه شيء كثير ، وممّا صحّ من أمثاله - على ما رواه ابن دريد ، عن أبي حاتم - قوله : يا بنى تميم ، لا يفوتكم وعظى إن فاتكم الدّهر بي . يا بنى تميم ، إنّ مصارع الألباب تحت ظلال الطمع ، ومن سلك الجدد أمن العثار ، ولن يعدم الحسود أن يتعب فكره ، ولا يجاوز ضرّه نفسه ، والسكوت عن الأحمق جوابه . ومن أمثاله : أشبع جارك ، وأجع فارك ؛ يعنى لا تدّخر شيئا يأكله الفأر ،

--> ( 1 ) الخبر أورده ابن حجر في الإصابة ؛ برواية فيها تفضيل ومخالفة . ( 2 ) سورة النساء 100 ( 3 ) م : « من أفصح العرب » .